التعليقة على مناسك الحجّ (الحجّ النيابي ـ القسم الأوّل)
هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين
(24 ـ 9 ـ 2026م)
فصل
في النيابة
(مسألة ١٠٣): يعتبر في النائب([1]) أمور:
الأوّل: البلوغ، فلا يجزي حجّ الصبي من غيره في حجّة الإسلام وغيرها من الحجّ الواجب، وإن كان الصبي مميّزاً، نعم لا يبعد صحّة نيابته في الحجّ المندوب بإذن الوليّ([2]).
الثاني: العقل، فلا تجزي استنابة المجنون، سواء في ذلك ما إذا كان جنونه مطبقاً، أم كان إدواريّاً إذا كان العمل في دور جنونه، وأمّا السفيه فلا بأس باستنابته([3]).
الثالث: الإيمان، فلا عبرة بنيابة غير المؤمن، وإن أتى بالعمل على طبق مذهبنا([4]).
الرابع: أن لا يكون النائب مشغول الذمّة بحجّ واجب عليه في عام النيابة إذا تنجّز الوجوب عليه، ولا بأس باستنابته فيما إذا كان جاهلاً بالوجوب أو غافلاً عنه. وهذا الشرط شرط في صحّة الإجارة لا في صحّة حج النائب، فلو حجّ ـ والحالة هذه ـ برئت ذمّة المنوب عنه، ولكنّه لا يستحقّ الأجرة المسماة، بل يستحقّ أجرة المثل([5]).
مسألة ١٠٤: يعتبر في فراغ ذمّة المنوب عنه إحراز عمل النائب، والإتيان به صحيحاً، فلا بدّ من معرفته بأعمال الحج وأحكامه، وإن كان ذلك بإرشاد غيره عند كلّ عمل، كما لا بدّ من الوثوق به، وإن لم يكن عادلاً([6]).
مسألة ١٠٥: لا بأس بنيابة المملوك عن الحرّ، إذا كان بإذن مولاه([7]).
مسألة ١٠٦: لا بأس بالنيابة عن الصبيّ المميز، كما لا بأس بالنيابة عن المجنون، بل يجب الاستيجار عنه إذا استقرّ عليه الحجّ في حال إفاقته ومات مجنوناً([8]).
([1]) المقصود هنا مطلق النائب، سواء كانت نيابته بإجارة أو كانت تبرّعيّةً أو غير ذلك، لكن يجب أن نلاحظ أنّنا تارة نبحث في أصل إمكانيّة أن يكون زيد نائباً في الحجّ عن عمرو، وتارةً أخرى في أنّ استنابتنا له، أي جعلنا له نائباً أو صيرورته نائباً من قبلنا هل يكفي، فيسقط التكليف عن الطرف الثالث مثلاً، أو لا؟ فقد يقول شخص بأنّ نيابة الصبي لا مانع منها لكن جعله نائباً فيه مشكلة، أو يقول بأنّ نيابة زيد عن عمرو لا مانع منها، لكنّ استنابته مع عدم الوثوق بأدائه فيها مشكلة من حيث الإجزاء من طرفنا، وهكذا، فيلزم التنبه لمثل هذه الحيثيّات المختلفة في النظر.
شروط النائب
1 ـ حول اشتراط البلوغ في النائب، نقد وتعليق
([2]) البحث في هذه المسألة يقع في مقامين:
المقام الأوّل: في اشتراط البلوغ في النائب في الحجّ الواجب
وهنا ذكر السيد الماتن أنّه لا يجزي نيابة غير البالغ عن البالغ في الحجّ الواجب مطلقاً، سواء من حيث نوع الحجّ (حجّة الإسلام أو غيرها) أم من حيث الصبيّ (مميّزاً كان أو غير مميّز).
والمستند العمدة هنا ـ بعد تخطّي إشكاليّة عدم مشروعيّة عبادات الصبي وعدم كونها حقيقيّة، وتخطّي إشكاليّة الوثوق بإتيانه الحجّ صحيحاً، حيث تمّت الإجابة عن هاتين الإشكاليّتين بشكل موفّق من قبل الماتن وغيره في البحوث الاستدلاليّة ـ هو أنّ أدلّة النيابة لا تشمل الصبيّ؛ لأنّ الوارد فيها تعبير «الرجل»، وبهذا لا تكون المشكلة في عبادات الصبي وحجّه، بل في أدلّة النيابة نفسها، بعد كون النيابة على خلاف الأصل (الموسوعة (المعتمد) 28: 115 ـ 116)، فالعجز في المقتضي لا في وجود المانع.
ويمكن أن يناقش بأنّ تعبير «الرجل» هنا جرى على المعتاد الغالب في النائب، حيث يتعارف أن يكون شخصاً بالغاً، ويندر استنابة غير البالغ عن البالغ. واللافت أنّ الماتن طرح هذا الاحتمال ثمّ استبعده، مع أنّه قَبِلَ به في مواضع أخر، كما في باب شرط الذكورة في مرجع التقليد. وحاصل الكلام: إنّ هذه التعابير التي ترد على ألسنة الرواة أو لسان الإمام مبنيّة على السائد في البيان العربي القائم آنذاك على حالة الغلبة، وليست ناظرة لخصوصيّة الرجولة، حتى نأخذها على أنّها مقصودة جداً وتفيد تقييداً، بل إنّ مناسبات الحكم والموضوع تقتضي أنّ النيابة لا يُقصد منها بالفهم العقلائي إلا قيام النائب بالفعل صحيحاً عن المنوب عنه، ولا يرى العرف ولا العقلاء أنّ السنّ عاملٌ مؤثر هنا ـ بعد استبعاد مسألة الوثوق بالإتيان صحيحاً ـ وعليه يتمّ إلغاء خصوصيّة هذا التعبير، والأخذ بكليّة عنوان (الشخص) بدل عنوان (الرجل)، فتصحّ نيابة غير البالغ عن البالغ مع تحقّق شرائط الصحّة وعناصرها في حجّه. وسيأتي تعليقٌ إضافي على الماتن في هذه الناحية في المقام الثاني، فانتظر.
ويؤيّد ما قلناه أنّه إذا كانت كلمة "الرجل" مانعة عن الشمول للصبي، فهي تقتضي المنع عن الشمول للمرأة، مع أنّهم اتفقوا تقريباً على إمكان نيابة المرأة عن الرجل وبالعكس، وسيأتي من الماتن الحديث عن ذلك في (المسألة رقم: 107) من المناسك، فمع تجاوز حيثيّة الجنس هنا، ولو لورود نصوص في بابه، نكتشف ـ بنحو التأييد ـ أنّ عنوان الرجولة لم يؤخذ بذاته، مما يسهّل الأمر في التعميم.
وربما لما قلناه لم يفتِ بعض الفقهاء المتأخّرين والمعاصرين، بل احتاط وجوباً، مثل السيد اليزدي والسيد روح الله الخميني والسيد علي السيستاني والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ الوحيد الخراساني.
واللافت هنا نوعٌ من التضارب في عبارة صاحب المدارك؛ حيث قال: «الظاهر عدم صحّة نيابته؛ لعدم الوثوق بإخباره؛ لعلمه برفع القلم عنه، وعدم مؤاخذته بما يصدر منه. ورجّح بعض مشايخنا المعاصرين جواز نيابته مع الوثوق بإخباره. وليس ببعيد من الصواب» (مدارك الأحكام 7: 113).
ومن هنا، لا نقول بأنّ التمييز شرطٌ في الصحّة؛ إذ لا خصوصية له بعنوانه هنا، بل إنّما لا يؤخذ بحجّ غير المميز نيابةً من حيث عدم قدرته على أداء الأعمال صحيحةً، وبخاصّة أنّه يفتقد إلى عنصر القصد في العادة.
المقام الثاني: في اشتراط البلوغ في النائب في الحجّ المستحبّ
وهنا ذهب السيد الماتن إلى عدم الاشتراط، وأنّ نيابة غير البالغ عن البالغ لا مانع منها، حيث قال: «لأنّ أدلَّة المستحبّات في نفسها شاملة للصبيّ، ومشروعيّتها له لا تحتاج إلى دليل بالخصوص، ومن ذلك باب النيابات، فإنّها مستحبّة في نفسها وتشمل الصبيان كبقيّة المستحبّات، ولا نحتاج إلى دليل خاصّ، مضافاً إلى أنّه قد ورد النصّ في خصوص نيابة الحجّ وغيره من العبادات عن الميّت ما يشمل بإطلاقه نيابة الصبي عن الميّت، كصحيحة معاوية بن عمار: «ما يلحق الرّجل بعد موته؟ فقال: والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما، ويحجّ ويتصدّق ويعتق عنهما ويصلّي ويصوم عنهما»، فإنّها مطلقة تشمل عموم الولد كبيراً وصغيراً، ولا نحتمل اختصاص صحّة نيابته بالوالدين. وكذا ورد النصّ في النيابة عن الحيّ ما يشمل بإطلاقه الصبيّ، كما في معتبرة يحيى الأزرق: «من حجّ عن إنسان اشتركا»، فإنّ إطلاق قوله: «من حجّ» يشمل الصبيّ، والظاهر من التعبير «عن إنسان» هو الحيّ. وأمّا السند فلا بأس به..» (الموسوعة (المعتمد) 28: 116 ـ 117).
ويمكن التعليق عليه:
أوّلاً: لم أفهم لماذا لا نحتاج هنا لدليل على النيابة عن البالغ؟! فإنّنا لا نتكلّم في أصل قيام شخص بالنيابة عن الآخر من حيث فعل النائب وصحّته في نفسه، بل من حيث ترتيب آثار النيابة عنه بحيث يترتّب عليه قيام المنوب عنه بالحجّ بفعل النائب، فإذا لم يكن لدينا دليل على صحّة نيابة غير البالغ عن البالغ فما هو الفرق بين الحجّ المستحبّ وغيره؟!
قد يقال: لعلّ منظور السيد الخوئي في هذه المسألة والمسألة السابقة، أعني أصل نيابة الصبي، هو أنّنا نشكّ في ثبوت صلاحية الصبيّ لإتيان الأمر الوجوبي، وذلك أنّ مسألة صحّة عبادات الصبي وشرعيّتها لا تلازم صلاحيّته لإتيان الأمر الوجوبي، فالمقصود من صحّة عبادات الصبي وشرعيّتها هو إمكان قصد القربة وإتيانه العمل العبادي على وجهه العبادي، وأما صلاحيته لإتيان الأمر الوجوبي فمطلبٌ آخر لا نحرزه؛ إذ المفروض أنّ الصبي لم يكن مأموراً بالأمر الوجوبي حتى نحرز صلاحيته له، فلا نحكم بالصحّة في النيابة الوجوبية لعدم إحراز هذه الصلاحية، وأمّا النيابة في المندوب فبما أنّ الصحة محرزة تكون النيابة صحيحة أيضاً؛ لعموم أدلّة النيابة.
والجواب: إذا كانت عبادته صحيحة ومقبولة ولا إشكال فيها، فما الفرق بين الأمر الوجوبي وغيره؟! إنّ الأمر الوجوبي ليس مهماً بقدر المأمور الوجوبيّ، والمفروض أنّ الصبي يمكنه الإتيان به، وعليه فما هي النكتة التي توجب التمييز شرعاً أو عقلائياً؟! فالمتبرّع يمكنه أن يأتي بالأمر الوجوبي الثابت على المنوب عنه مع أنّه متبرّع.
ثانياً: إنّ السيد الخوئي ألغى الخصوصية عن الولد بالنسبة لوالديه في خبر معاوية بن عمار، ولم يقبل بإلغاء الخصوصيّة عن كلمة الرجل في أدلّة النيابة، مع أنّ احتمال الخصوصيّة في باب علاقة الوالد بولده أكبر منه في استخدام كلمة الرجل في التعابير العرفيّة! ومع غضّ النظر، فإنّ مثل هذه الرواية ـ وفقاً لفهم الخوئي ـ ينبغي أن يكون معيناً لنا لفهم أنّ كلمة الرجل في أدلّة النيابة لا خصوصيّة لها؛ لأنّ مثل هذه الرواية ما دام مطلقاً وناظراً للوالدين وغيرهما، فسيعني أنّ الحجّ عن الآخر له آثار مقبولة، الأمر الذي يهيء المورد لقبول عموم دليل النيابة، وبخاصّة أنّه لم يرد هنا أنّ الحجّ عن الوالدين كان حجّاً مندوباً.
وعليه، فالصحيح ـ وفقاً لما قلناه في النيابة في الحجّ الواجب ـ هو أيضاً صحّة النيابة في المندوب بعين الشروط المأخوذة في النيابة في الواجب.
2 ـ حول اشتراط العقل في النائب
([3]) ما أفاده السيد الماتن هنا هو الصحيح من حيث النتيجة عادةً؛ وذلك أنّ المجنون لا يمكنه في العادة تحقيق القصد، أمّا السفيه فلا دليل على منافاة السفه لصحّة النيابة في الحجّ، إذ غاية الأمر ضرورة أخذ الارتباطات الماليّة له ـ كما في الإجارة ـ بعين الاعتبار من حيث الحاجة لإجازة القاضي الشرعي.
لكن مع ذلك لا نوافق على الصياغات الفقهيّة التي تأخذ الجنون شرطاً في مثل هذه الموارد، انطلاقاً من عدم تحقّق العمل صحيحاً؛ لأنّ الجنون لم يؤخذ بعنوانه شرطاً في الأدلّة هنا، بل نحن أعدنا صياغة المسألة في ضوء طبيعة فهمنا للعلاقة بين الجنون وصحّة العمل من باب تحقيق القصد ونحو ذلك، وهذا يعني أنّ الصياغة الصحيحة هو القول بأنّ من شروط النائب قدرته على الإتيان بالعمل صحيحاً وتامّاً، ومن المصاديق في العادة لهذا الشرط حالة الجنون والصبي غير المميّز ونحو ذلك.
وإنّما نقول ذلك لسببين، هما:
السبب الأوّل: وهو سبب منهجي فنّي، ينطلق من أنّ طبيعة الأدلّة لم تنصبّ على عنوان الجنون والعقل هنا، بل نحن استطرقنا لهذا العنوان من خلال صحّة الفعل الصادر من المجنون وعدمه، فمقتضى الصناعة الصياغيّة الدقيقة إعادة صياغة الشرط بالشكل الذي قلناه.
وهذا ما يجرّنا إلى ملاحظة كليّة في هذا الباب والعديد من الأبواب، وهو أنّ بعض الشروط التي يطرحها الفقهاء هنا وهناك، قد لا تكون شروطاً تعبديّة مستقلّة بذاتها، بل هي طرق أو مصاديق لشرطٍ أعلى يكون هو الأساس والمعيار، مثل شرط قدرة النائب على الإتيان بالعمل الصحيح هنا مثلاً، فانتبه. وهنا في شرط العقل نقول: إنّ العقل ليس شرطاً مأخوذاً بعنوانه في لسان الدليل، بل هو شرط تحليلي منتزع من شرط صحّة العمل.
هذه الآلية التي نطرحها يمكنها في جملة من المواضع أن تغيّر صياغة الشروط التي تُذكر للفرد أو للشيء أو لغير ذلك.
إبهامات في مفهوم الجنون والحاجة لمرجعيّة العلم الحديث في إعادة التعريفات وتحديد المجالات
السبب الثاني: محدوديّة علومنا المرتبطة بعنوان الجنون، وهو ما أشرنا له في بعض كتبنا سابقاً، وذلك أنّ تعريف الجنون ليس فيه وضوح في اللغة الفقهيّة؟ فما هو الجنون بالضبط؟ وما معنى غياب العقل؟ إنّ العلوم الحديثة المرتبطة بالنفس والأعصاب والدماغ وغير ذلك، يمكنها أن تتحدّث عن حالات كثيرة جداً تتفاوت في القوّة والضعف من حيث ما نسمّيه الجنون، ومن ثم فنحن لا ندري هل كلّ مستويات الجنون تفتقد إلى القدرة على القصد مثلاً أو لا؟ هذا الأمر يحتاج لإفادة دقيقة من العلوم العصريّة وأمثالها في تبيينه لنا، ولا يكفي فيه الفهم الشعبي لكلمة «مجنون».
ولتوضيح هذه النقطة بالغة الأهمية يمكننا القول: إنّ بعض النصوص الفقهيّة تتعامل مع الجنون بوصفه عنواناً واضحاً وبسيطاً، بينما الطبّ النفسي الحديث يرى أنّ هذا العنوان ليس له تشخيص علميّ واحد، ولهذا ليس لديهم مرض أو مشكلة اسمها "الجنون"، بل هو مظلّة تضمّ تحتها حالات مختلفة جداً على مستوى قضايا الوعي والإدراك والقصد واتخاذ القرار وقدرة التحكّم.
إنّ عنوان الجنون لا يراه الطب النفسي المعاصر ذا تشخيص مستقلّ باسم (الجنون/Insanity)، فليس هو مرضاً محدداً، إنّما قد يكون طيفاً واسعاً من الاضطرابات النفسيّة والعصبيّة والإدراكيّة، كالفصام واضطراب ثنائي القطب والخرف واضطرابات النموّ العصبي والذهانات وغيرها، وهي تختلف اختلافاً جوهريّاً بينها في مدى احتفاظ الشخص بوعيه أو قدرته على الفهم أو دركه للواقع أو تمييزه بين الأفعال، وأيضاً في إمكانات تحقّق القصود والنوايا منه. بل إنّ الكثير من هذه الاضطرابات تمرّ بمراحل شدّة وضعف ولها مستويات وأنواع.
ولهذا، فلعلّ الأدقّ ـ منهجياً ـ ألا يجعل العقل أو عدم الجنون شرطاً هنا وفي سائر الأبواب، بل نبحث عما يقع خلف هذه التصوّرات الشكليّة للجنون والناشئة من الوعي والانطباع الشعبي، وعليه فإذا ربطنا الأمر هنا بقدرة الشخص على الإتيان بالعمل الصحيح مع قصدٍ وإرادة، فقد نكتشف ـ بالاستعانة بأهل الاختصاص ـ أنّ شخصاً قد يعاني من اضطراب نفسي معيّن، لكن يحتفظ بقدرة القصد والتحكّم، حتى لو صنّفه الناس برؤيتهم الشعبيّة مجنوناً، والعكس صحيح.
ويشبه بحثَ الجنون بحثُ مفهوم التمييز (الصبيّ المميّز وغير المميّز)، وسوف نتعرّض له بتفصيلٍ آخر إن شاء الله تعالى، وذلك عند التعليق على مطلع كتاب الحجر، من الجزء الثاني من المنهاج، حيث سيتكلّم السيد الماتن عن أسباب الحجر، وهناك يتعرّض لمعيار البلوغ، كما يتكلّم عن الرشد.
3 ـ حول اشتراط الإيمان في النائب
([4]) قد سبق أن قلنا مراراً بأنّ أعمال الآخر المختلف في المذهب تقع صحيحةً إذا كانت وافية لكلّ الشروط بصرف النظر عن انتمائه المذهبي، وأنّ ما دل على عدم الاعتداد بعمله ناظرٌ للقبول لا للصحّة، وفاقاً لغير واحدٍ من الفقهاء المتأخّرين، وعليه فتصحّ نيابة الآخر المذهبي ما دام العمل المأتيّ به صحيحاً على وفق المذهب المختار، أمّا إذا لم يكن صحيحاً كذلك، فلا معنى لتصحيح النيابة حتى لو كان النائب مؤمناً بالمعنى الأخصّ؛ لأنّ النيابة تتطلّب في ذاتها ـ بمناسبات الحكم والموضوع ـ صحّة العمل.
يضاف إلى ذلك أنّ النكتة الجوهريّة في فهم أغلب الفقهاء المشترطين لشرط الانتماء المذهبي الخاصّ هنا، تكمن في أنّ غير الشيعي الإمامي عمله باطل، وهذا يعني أنّ الانتماء المذهبي الخاصّ ليس شرطاً بعنوانه ـ كما قلنا سابقاً ـ بل الشرط الحقيقي هو صحّة عمل النائب وقدرته على الإتيان بما استنيب عليه، وتكون المخالفة في المذهب مجرّد مصداق لبيان عجزه عن الإتيان بما استُنيب عليه أو في تحقيقه الفعل عن المنوب عنه.
هذا، وقد سبق أن تحدّثنا عن شرط الانتماء المذهبي الخاصّ في العبادات عامّةً، وذلك عند التعليق على (المسألة رقم: 753) من المنهاج، في باب صلاة الاستئجار، فراجع.
4 ـ حول اشتراط فراغ ذمّة النائب
([5]) ما أفاده السيد الماتن هو الصحيح، والأمر واضح، لكنّها مبنيّة على فكرة الفوريّة، وإلا ـ على ما ذهبنا إليه ـ فإنّ إمكان التأجيل وارد ما لم يصدق التهاون.
هذا، ويمكن طرح سؤالين هنا للتأمّل:
1 ـ إذا قبلنا بالترتّب في مقام التكليف، فلماذا لا يمكن الاستناد إليه في مقام تصحيح الإجارة؟ فالشخص يدخل في عقد الإجارة على فرض الترتّب، ويرتكب محرّماً بترك تكليفه، ولكن مع تحقّق الترك، يمكن أن يكون مأموراً بالوفاء بعقد الإجارة، ولا يلزم إشكال الأمر بالضدّين الذي طرحه السيد الخوئي؛ أي أنّ هذا الترتّب الرافع للتزاحم، يرفع أيضاً إشكال الأمر بالضدّين في عقد الإجارة، ويمكن أن يستحقّ الأجرة المسماة.
2 ـ على فرض عدم صحّة الإجارة، ألا يوجد مجال للقول بأنّه إذا تعلّق عقد إجارة الحجّ بنفس السنة التي استقرّ فيها الحج في ذمّة المكلف، فالإجارة باطلة، وأمّا إذا كانت إجارة الحجّ مطلقة بالنسبة لهذه السنة (السنة التي انشغلت فيها ذمّة المكلّف) والسنوات اللاحقة، وتعلّقت الإجارة بالإتيان بالحج في إحدى السنوات القادمة، فالإجارة صحيحة ويستحقّ الأجرة المسماة، غاية الأمر أنّ المكلّف أتى بمفاد الإجارة بسوء اختياره في السنة التي كانت ذمّته مشغولة فيها، ولكنّ هذا لم يكن مفاد عقد الإجارة نفسه، أي أنّ مفاد عقد الإجارة لم يكن متنافياً مع تكليفه.
معيار فراغ ذمّة المنوب عنه
([6]) هنا أمور:
1 ـ إنّ الشرط الحقيقي هنا هو صحّة العمل الصادر من النائب؛ ليصدق بذلك إتيان المنوب عنه بالعمل بالواسطة اعتباراً وتعبّداً، وعليه فإنّ معرفة ما يجب عليه من الأعمال والأحكام ـ ولو بدلالة الغير عليه في كلّ عمل ـ ليست شرطاً بعنوانها، بل هي مجرّد طريق، ولهذا لو فرضنا أنّ النائب كان يقوم بالعمل مطابقاً لما يقوم به شخص آخر يحجّ معه عالم بأحكام الحجّ وأعماله، فطابق عمل النائب عمل ذلك الشخص صحّ، حتى لو لم يكن النائب عالماً بشيء، فلو قال له: افعل كما أفعل أنا، فتابعه بقصد القربة وعمل مثله، كفى وصحّ، سواء صدق على ذلك أنّه تعلّمٌ بالتدريج أم لم يصدق.
2 ـ إنّ خاصية الوثوق بالنائب لا ترجع لفراغ ذمّة المنوب عنه في لوح الواقع، فقد تفرغ ذمّة المنوب عنه في لوح الواقع لو أتى النائب بالعمل صحيحاً تاماً حتى لو لم يكن لدينا وثوق بالنائب، بل ترجع لطبيعة علاقتنا نحن مع النائب من حيث فراغ مسؤوليتنا أو تحقق ما نريد من زاويتنا نحن، كما في مورد الإجارة، فلو نذر شخص أن يستأجر نائباً ليحجّ عن الميت بحيث تفرغ ذمّة الميت، فلا يمكنه أن يعتبر النذر قد تحقّق مع عدم الوثوق بتحقيق النائب للحجّ حقاً الموجب لفراغ ذمّة المنوب عنه، وهذا واضح.
ولا نحتاج لشرط العدالة بعد عدم وجود دليل عليه بعنوانه، وإن كانت العدالة والوثاقة كافيتين في الإخبار، بناءً على القول بحجيّة خبر الثقة أو العدل في الموضوعات، بلا حاجة للوثوق.
لكنّ السؤال هو أنّه لماذا اشترط السيد الماتن الوثوق، مع أنّه في بحوثه ـ وغيره من الفقهاء أيضاً ـ أشار لإمكانية إجراء أصالة الصحّة في عمل النائب، والمفروض أنّ أصل الصحّة لا يلازم الوثوق واقعاً؟!
والجواب بأنّه ربما كان قصد الماتن من الوثوق هنا هو الأعم من الوثوق الوجداني والتعبّدي، أو ـ وهو الراجح ـ أنّ الوثوق متعلّق بأصل إتيانه بالعمل وأصالة الصحّة متعلّقة بتصحيح العمل بعد الوثوق بأنّه أتى به والشكّ في كون المأتي به وقع صحيحاً أو لا.
3 ـ إنّ استئجار شخص للحجّ وهو غير عالم به، قد يقال بأنّ فيه غرراً من حيث إنّ الأجير يؤجّر نفسه على أمرٍ هو لا يعلمه، الأمر الذي يتطلّب منه المعرفة حتى لا تكون المعاملة غرريّة، فتغدو باطلة. وهذا ناظر للاستنابة لا لذات نيابته كما هو واضح.
لكنّ الصحيح أنّ التصوّر الإجمالي للحجّ من حيث طبيعة الجهد المطلوب فيه ونوعيّة العمل أمرٌ كافٍ، فلا يحتاج للعلم التفصيلي بالأعمال والأحكام، بل سوف يأتي منّا تفصيلٌ في مديات تأثير الغرر على صحّة المعاملات، وذلك في مباحث البيع والمكاسب من الجزء الثاني من المنهاج، إن شاء الله.
نيابة المملوك عن الحرّ
([7]) لإطلاق أدلّة النيابة وعدم وجود خصوصيّة للحريّة هنا، لكنّ إذن المولى شرطٌ؛ على قاعدة أنّ منافعه له فلا يمكن التصرّف فيها بدون إذنه.
([8]) عملاً بالعمومات والإطلاقات. وباقي المسألة حكمه واضح مما تقدّم.
إلا أنّ هنا صورة لم يتعرّض لها السيد الماتن، وهي حالة ما لو علم المجنون الإدواري بأنّ دورة جنونه سوف تنزل به في موسم الحجّ، بحيث لن يتمكّن من الحجّ في وقته، فهل يلزمه الاستنابة هنا؟ وهذه المسألة كان من المناسب التعرّض لها في بحث الاستنابة.
وعلى أيّة حال، فقد يقال ـ بملاحظة رفع خصوصية كبر السنّ وأمثاله في وجوب الاستنابة، لصالح مطلق العجز البدني، كما قلنا سابقاً عند التعليق على (المسألة رقم: 63) من المناسك ـ أنّ الجنون قد يصدق عليه العنوان الأعم المأخوذ في باب وجوب الاستنابة، لكن في المقابل ربما يقال بأنّ غاية ما تفيده نصوص وجوب الاستنابة ـ لو قلنا بها ـ هو حالة العجز البدني مع بقاء التكليف متوجّهاً للمكلّف، أمّا فيما نحن فيه، فالمكلّف سقط عنه التكليف بالجنون في موسم الحجّ، فتكون تسرية الموقف من مطلق العجز البدني مع بقاء توجّه التكليف، لحالة الجنون التي يجامعها عدم بقاء توجّه التكليف، نوعاً من القياس مع الفارق، فالصحيح عدم وجوب الاستنابة عليه، لو قلنا بوجوبها من حيث المبدأ.
ويترتّب على ذلك عدم وجوب الحجّ عنه لو مات على هذه الحال؛ لعدم استقراره في ذمّته أساساً، وإن كان الاحتياط بالاستنابة وكذا بالنيابة عنه حسناً.
